عمران سميح نزال

109

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

سبب نزول الآية ( 4 ) من سورة الأحزاب : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ( 4 ) . المناسبة التنزيلية تجعل هذه الآية هي الآية الرابعة من سورة الأحزاب ، فهي مسبوقة بثلاث آيات ، قد لا يبدو بينها مناسبة موضوعية ، فالآيات الثلاث الأولى كانت في حق النبيّ عليه الصلاة والسلام ، بدليل صيغة النداء وضمائر المخاطب ، تفرض عليه تقوى اللّه واتّباع ما يوحى إليه والتوكل عليه سبحانه وتعالى ، أي في أمر النبيّ عليه الصلاة والسلام بالصدق الصادق ، وهذه الآية تفنّد عوائق الصدق الصادق ، وهو أن يجمع الرجل في قلبه أمرين متعارضين لرغبة في نفسه ، أو لعجزه عن مفارقة أحدهما ، فتأتي هذه الآية لنقض هذا الشرك القلبي ، فما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه ، فجوف الرجل لا يتسع إلا لقلب واحد ، بالمعنى الحسي وهذا متفق عليه بين الناس ، والمراد هو المعنى العقلي أيضا ، أي أن القلب الصادق لا يجمع بين الإيمان والكفر في آن واحد وإلا كان منافقا . فالآية تشترك مع الآيات السابقة في مناسبة موضوعية وهي الصدق الصادق ، وهذه المناسبة مقدمة للسورة كلها لما سيرد فيها في حق المنافقين ، وأمر الأدعياء من الأبناء وهو التبنّي ، وأما مناسبة ذكر الظّهار هنا فليعلم أن الظهار الذي كان في الجاهلية يربط الرجل بالمرأة إذا لم يرد أن يطلّقها ولا يجامعها في آن واحد ، لن يقبل بعد اليوم في الإسلام ، وسوف يجعل له كفارة شديدة في سورة لاحقة هي سورة المجادلة في الآيات ( 2 - 4 ) . ولكن مناسبة النهي عن الظهار في مقدمة سورة الأحزاب ، كان لمناسبة موضوعية تخصّ سورة الأحزاب ، وهو أن سورة الأحزاب جاءت لتنظم الحياة الزوجية النبوية في آيات لا حقة ، وليعلم الناس والمسلمون والمؤمنون أن النبيّ عليه الصلاة والسلام كان في تنظيم حياته الزوجية مأمورا من اللّه تعالى ، وكان الظّهار من الممكن أن يكون علاجا للخصوصية النبوية في ارتباطه بزوجاته ، اللاتي لا يريد تطليقهن عندما يجعلهن القرآن الكريم أمهات للمؤمنين ، أي لا يستطعن الزواج